ابن كثير
172
البداية والنهاية
ومقاربيته الصالحة ، وقد بنى لهم دار حديث بالسفح وبالمدينة للشافعية أخرى ، وجعل فيها نعل النبي صلى الله عليه وسلم الذي ما زال حريصا على طلبه من النظام ابن أبي الحديد التاجر ، وقد كان النظام ضنينا به فعزم الأشرف أن يأخذ منه قطعة ، ثم ترك ذلك خوفا من أن يذهب بالكلية ، فقدر الله موت ابن أبي الحديد بدمشق فأوصى للملك الأشرف به ، فجعله الأشرف بدار الحديث ، ونقل إليها كتبا سنية نفيسة ، وبنى جامع التوبة بالعقبية ، وقد كان خانا للزنجاري فيه من المنكرات شئ كثير ، وبنى مسجد القصب وجامع جراح ومسجد دار السعادة ، وقد كان مولده في سنة ست وسبعين وخمسمائة ، ونشأ بالقدس الشريف بكفالة الأمير فخر الدين عثمان الزنجاري ، وكان أبوه يحبه ، وكذلك أخوه المعظم ثم استنابه أبوه على مدن كثيرة بالجزيرة منها الرها وحران ، ثم اتسعت مملكته حين ملك خلاط ، وكان من أعف الناس وأحسنهم سيرة وسريرة ، لا يعرف غير نسائه وسراريه ، مع أنه قد كان يعاني الشراب ، وهذا من أعجب الأمور . حكى السبط عنه قال : كنت يوما بهذه المنظرة من خلاط إذ دخل الخادم فقال : بالباب امرأة تستأذن ، فدخلت فإذا صورة لم أر أحسن منها ، وإذا هي ابنة الملك الذي كان بخلاط قبلي ، فذكرت أن الحاجب علي قد استحوذ علي قرية لها ، وأنها قد احتاجت إلى بيوت الكرى ، وأنها إنما تتقوت من عمل النقوش للنساء ، فأمرت برد ضيعتها إليها وأمرت لها بدار تسكنها ، وقد كنت قمت لها حين دخلت وأجلستها بين يدي وأمرتها بستر وجهها حين أسفرت عنه ، ومعها عجوز ، فحين قضت شغلها قلت لها انهضي على اسم الله تعالى ، فقالت العجوز : يا خوند إنما جاءت لتحظى بخدمتك هذه الليلة ، فقلت : معاذ الله لا يكون هذا ، واستحضرت في ذهني ابنتي ربما يصيبها نظير ما أصاب هذه ، فقامت وهي تقول بالأرمني : سترك الله مثل ما سترتني ، وقلت لها : مهما كان من حاجة فانهيها إلي أقضها لك ، فدعت لي وانصرفت ، فقالت لي نفسي : في الحلال مندوحة عن الحرام ، فتزوجها ، فقلت : لا والله لا كان هذا أبدا ، أين الحياء والكرم والمروءة ؟ قال : ومات مملوك من مماليكي وترك ولدا ليس يكون في الناس بتلك البلاد أحسن شبابا ، ولا أحلى شكلا منه ، فأحببته وقربته ، وكان من لا يفهم أمري يتهمني به ، فاتفق أنه عدا علي إنسان فضربه حتى قتله ، فاشتكى عليه إلي أولياء المقتول ، فقلت أثبتوا أنه قتله ، فأثبتوا ذلك فحاجفت عنه مماليكي وأرادوا إرضاءهم بعشر ديات فلم يقبلوا ، ووقفوا لي في الطريق وقالوا : قد أثبتنا أنه قتله ، فقلت خذوه فتسلموه فقتلوه ، ولو طلبوا مني ملكي فداء له لدفعته إليهم ، ولكن استحيت من الله أن أعارض شرعه بحظ نفسي رحمه الله تعالى وعفا عنه . ولما ملك دمشق في سنة ست وعشرين وستمائة نادى مناديه فيها أن لا يشتغل أحد من الفقهاء بشئ من العلوم سوى التفسير والحديث والفقه ، ومن اشتغل بالمنطق وعلوم الأوائل نفي من البلد . وكان البلد به في غاية الامن والعدل ، وكثرة الصدقات والخيرات ، كانت القلعة لا تغلق في ليالي رمضان كلها ، وصحون الحلاوات خارجة منها إلى الجامع والخوانق والربط ،